عبد الفتاح اسماعيل شلبي

6

رسم المصحف العثمانى

النقط والشكل وبعث بالمصاحف إلى الأمصار ، وأمر أهل كل مصر أن يقيموا مصاحفهم على المصحف المبعوث إليهم « 1 » ، فأصبحت قراءة كل قطر تابعة لرسم مصحفهم « 2 » ، ومنع عثمان رضي اللّه عنه القراءات بما خالف خطها ، وساعده على ذلك زهاء اثنى عشر من الصحابة والتابعين ، واتبعه على ذلك جماعة من المسلمين بعده ، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ ، وإن صحت ورويت « 3 » . هذا الرسم الذي أجمعت عليه الأمة ، وتلقته بالقبول بترتيب آياته ، بل كلماته ، بل حروفه ، ليس لنا إلى إنكاره من سبيل ، وأصبح مصحف عثمان الإمام والدليل فيما يعنيه من ترتيب يمنع التقديم والتأخير ، ومن حصر يمنع الزيادة والنقصان ، وإبدال لفظ بلفظ آخر « 4 » ، وهو حجة على القارئين والمقرئين إلى يوم الدين ، وأصبحت القراءة بما يخالف الرسم وإن وافق العربية وصح سنده - كالذي جاء في مصاحف الصحابة والتابعين - شاذة لكونها شذت عن رسم المصحف الإمام المجمع عليه ، فلا تجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا في غيرها « 5 » . أورد القرطبي في تفسيره : قرأ علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : وطلع منضود بالعين وتلا هذه الآية : ونخل طلعها هضيم ، وهو خلاف المصحف . وفي رواية أنه قرئ بين يديه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال : وما شأن الطلح ؟ إنما هو وطلع منضود ، ثم قال : « لها طلع نضيد » فقيل له : أفلا نحوّلها ؟ « 6 » . فقال : لا ينبغي أن يهاج القرآن ولا يحوّل « 7 » . فقد اختار هذه القراءة ، ولم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه .

--> ( 1 ) فضائل القرآن لابن كثير : 39 . ( 2 ) غيث النفع للصفاقسى : 114 . ( 3 ) الإبانة لمكى بن أبي طالب : 1 . ( 4 ) التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن : 86 . ( 5 ) منجد المقرئين : 16 وما بعدها . ( 6 ) وفي رواية : قيل له : يا أمير المؤمنين ! أنحكها من المصحف ؟ فقال : لا يهاج القرآن اليوم . قال أبو بكر ( الأنباري ) : ومعنى هذا أنه رجع إلى ما في الصحف ، وعلم أنه هو الصواب ، وأبطل الذي كان من قوله . ( 7 ) تفسير القرطبي : ج 17 / 208 .